الأربعاء، 18 مايو 2016

الوفاء عند المرأة و الرجل (١)




الوفاء عند المرأة و الرجل (١)
ما العوامل المؤثرة على التزام الجنسين بالعلاقة الزوجية 


قبل مدة دخلت في نقاش مع جماعة من الناس عن موضوع الوفاء بين الجنسين، كان الرأي العام السائد أن الرجال أقل وفاءً من النساء، و أن هذا أمر ملاحظ ولا يحتاج إلى إثبات، و بالتالي فإن المجتمع مدين جداً للمرأة التي تقرر التنازل و البقاء مداومة الإهتمام مع زوج إنصرف بذهنه أو قرر أن يتزوج بأخرى. 

الرأي هذا سائد ولا يمكن قصره على تلك الجماعة التي ناقشتها ، مع أن التشريع الإسلامي لا يتفق معه !! إذ لو كانت هذه حقيقة لوهبت المرأة سلطة الطلاق و حرمها الرجل ! كما أن النبي عليه الصلاة و السلام و الأنبياء من قبله و الصحابة من بعده كانوا معددين و لم تعد هذه الخصلة طعنة فيهم و تقليلاً من وفائهم ! و أخيراً فإن تسليم الرجل القوامة و إلزام المرأة بطاعة زوجها يتناقض مع هذا الإستنتاج ! إذ أن الشخص الأكثر إلتزاماً و شعوراً بالمسؤولية تجاه الآخرين في العائلة هو الذي يحق له أن يأخذ القرارات نظراً لكون الصلاحية قرينة المسؤولية !! فلماذا يرتبط الوفاء بالمرأة عند الناس ؟ وهل هذا الإرتباط صحيح ؟ و إن كان صحيحاً فلماذا كان التشريع الإسلامي مناقض له ؟ 

تكمن المشكلة في النظرة الخاطئة للجنسين و لما يقدمه كل منهما في هذه العلاقة، إذ أن الوفاء ليس التزاماً جنسياً بالضرورة ، بل التزام أخلاقي ( غير غريزي ) بأداء الإلتزامات التي كان كل طرف قد أقر بتحملها عند بداية العلاقة مهما طرأ على العلاقة من حوادث تضعف من قدرة الطرف الآخر على الأداء ( أي أنه إلتزام يصعب تحديد تكلفته و مدته ، و من هذه الهلكة و النكران لرغبات الذات تكتسب هذه الصفة قيمتها ) . و لأن الطرفان يختلفان في نوع المسؤولية و الإلتزامات التي يتحملانها فإن الوفاء يفترض به أن يقاس بطريقة مختلفة عند كل جنس . 

و حتى نحلل موضوع الوفاء و نميز بين الجنسين فإننا بحاجة لتحديد الإضافة التي يقدمها كل من الجنسين و مضمون المقايضة الجارية بينهما .. فما هي هذه الإضافة ؟

١- الرجل .. نظراً لامتلاك الرجل ميزة في قدراته الذهنية و الجسدية و النفسية فإن عمله ينتج فائضاً مادياً يزيد عن حاجته و يتمكن به من تهيئة بيئة آمنة لغيره.

٢- المرأة ..المرأة على الطرف الآخر نظراً لضعفها الجسدي و الذهني و النفسي تواجه عجزاً في قدرتها الإنتاجية  بينما هي تحتكر القدرة الإنجابية و تتميز بقدرة على الرعاية و التعاطف في البيئة الإجتماعية الصغيرة لا يتقنها الرجل. 

هذا هو الأساس الحياوني الغريزي للعلاقة الزوجية، أما المعان الأخرى فهي معان أخلاقية أو دينية طارئة تأتي نتيجة تربية و تعليم، لا نتيجة انجذاب غريزي و متعة طبيعية. هذه الأمور و إن كان لها أهميتها في مجتمعاتنا البشرية المركبة إلا أنها لا تفيدنا كثيراً في تفسير الظواهر الإجتماعية التي بنى عليها الناس هذا الإستنتاج القائل بأن (( المرأة أكثر وفاء من الرجل )). 

ملحوظة أخرى .. قد يشترك الجنسان في بعض الهموم و الصفات التي تزيد من ترابطهما و التزامهما تجاه بعضهما البعض ، كالعقيدة المشتركة في مكان غريب و الحالة المادية السيئة في بيئة غنية و العرق المختلف في بيئة عنصرية، كل هذه الأمور تساعد الأطراف على الإلتحام نظراً لاستشعار الهلكة المشتركة ، لكنها لا تميز أياً من الطرفين. و بطبيعة الحال هناك جانب آخر يؤثر على التزام الطرفين بهذه العلاقة وهو الضغط الإجتماعي . الخوف من الإقصاء الإجتماعي و سوء السمعة و التدني في سلم المجتمع نتيجة للتصرفات الأنانية في العلاقة الزوجية تعمل على كبح الغرائز الأنانية إلى حد ما و تساهم في حفظ العائلة من التفكك. 

كل هذه العوامل الخارجية و الطارئة مفهومة، لكنها ليست مثار التساؤل ولا موضوع المقال، ذلك أن التشريع الإسلامي ميز الذكر عن الأنثى لكونه ذكر ، و لم يميزه لتدينه أو لوجود عوامل خارجية طارئة تضغط عليه، فما الذين يميز الذكر ؟ و لماذا عدت الأنثى عموماً في العقل العام أكثر وفاءً و رحمة من الذكر ؟ 

هناك مجالان يتميز فيهما الجنسان عن بعضهما البعض : 
١- قيمة الفرد في سوق التزاوج (المستمدة من الإضافة التي يقدمها). 
٢- بيئة عمل الجنسين (التي تتبين بها قيمة إضافته). 


قيمة الفرد في سوق الزواج و البيئة التي تتبين بها هذه القيمة :

نوع الإضافة التي يأتي بها كل طرف إلى الطاولة تجعل معايير التقييم مختلفة ، فالفتاة الصغيرة قليلة التجربة كثيرة الحياء فاتنة الجسد ( ملامحها دالة على الخصوبة و الضعف كالصدرين الممتلئين و الحوض الواسع و المناكب الضيقة و الوجه الطفولي ) تملك من القيمة في سوق التزاوج ما يعجز معظم الرجال عن بلوغه. و مع أن هذه الفتاة لا تبذل شيئاً يذكر لتصل إلى هذه الحالة إلا أنها بمجرد محافظتها على نفسها و امتلاكها لدلائل الخصب الجسدية و ملامح الضعف التي توهم الرجل بقدرته على التحكم فإنها تصير في موضع عالي يسمح لها بالإنتقاء و التخير من مجموعة كبيرة من الرجال . 
أما الذكر على الطرف الآخر فإنه قليل القيمة في جسده، إذ أنه لا ينجب ولا يرضع ، كما أن طاقته الإنتاجية رهينة التمرين و الخبرة، لذلك فإن خصال الرجل الجسدية التي تلفت نظر المرأة هي في غالبها خصال مكتسبة وليست كامنة ( الجسد العضلي و اللياقة العالية ) كما أن الخصال غير الجسدية لها دور أهم في لفت نظر المرأة، كالغنا المادي و الوظيفة العالية و الوجاهة الإجتماعية و التفوق العلمي و العقلي، كل هذه الخصال هي خصال مكتسبة تتطلب جرأة و صقلاً و منافسة ، فإذا تميز الرجل عين أقرانه إنتقل في عيون الإناث عموماً من الذكورة إلى الرجولة ( إذ الرجولة قرينة التميز الفردي ، و ليست خصالاً و عادات يمكن تصنعها )، وهذه الحالة هي الحالة المطلوبة لدى الإناث إذ أن في استنزاف هذا الرجل و استهلاكه لصالح الأنثى الطالبة قيمة فعلية تجنى. 

باختصار : 
١- الخصال المميزة للأنثى خصال خَلْقية في الغالب و غير مكتسبة. 
٢- الخصال المميزة للرجل خصال مكتسبة و غير خَلْقية. 
٣- الخصال المميزة للرجل تتطلب تمييزاً حقيقياً له عن أقرانه. 
٤- الخصال المميزة للأنثى لا تحتاج لتمييز أو مقارنة مع بقية الإناث.

النقاط السابقة تقودنا للتالي : 
١- قيمة الأنثى تكون في ذروتها في أواخر العقد الثاني و أوائل العقد الثالث من العمر. 
٢- قيمة الأنثى (أي قدرتها على دفع الناس ليقوموا بخدمتها دون مقابل) في هذه المرحلة تكون عالية جداً بالمقارنة مع عموم الرجال. 
٣- هذه القيمة تقل بالتدريج حتى تصل إلى درجة قريبة من الصفر أواخر العقد الخامس من العمر. 
٤- عمل المرأة و كسبها و قوتها العقلية و الجسدية تقلل من قيمتها الجنسية نظراً لأن المرأة تجعل من نفسها صعبة الإمتلاك و الإستثمار ( أي أنها تتحول من أرض تستثمر إلى كيان منافس ).
٥- قيمة الرجل الجنسية تتناسب طردياً مع تميزه و قوته الجسدية و النفسية و العقلية و المادية ، و بالتالي فإن قيمته الجنسية تزداد بالتدريج مع العمر حتى تصل إلى مداها في أواخر العقد الرابع و أوائل العقد الخامس. 
٦- متوسط قيمة الرجال عندما يصلون لأفضل سن لهم (أواخر العقد الرابع) أقل من متوسط قيمة النساء في أوائل العقد الثالث من العمر، نظراً لكون قيمة الرجل مستمدة من تميزه و الرجال لا يستطيعون أن يتميزون كلهم إذ أن ذلك ينقض مفهوم التميز أساساً. 
٧- القيمة الجنسية و القوة الإجتماعية للرجال الذين يتميزون عن أقرانهم تتفوق على قيمة النساء جميعهم وهم في أوائل العقد الثالث من العمر. 
٨- قيمة الرجال الجنسية و قوتهم الإجتماعي لا تقارب الصفر عموماً كما يحصل مع الإناث عند سن اليأس (كما أن القيمة الجنسية للرجال لم ترتفع كثيراً كما ارتفعت عند إناث)، لذلك فإن الرجال في مجال القيمة الجنسية يعدون أكثر إستقراراً و دواماً. 

الاثنين، 16 مايو 2016

السوق .. بين الحرية و الإستقلال (٢)




السوق .. بين الحرية و الإستقلال (٢)
ما هو مقصد الشريعة من الأحكام الشرعية في البيوع ، الحرية أم الإستقلال ؟ 


العوامل المؤثرة في السوق بشرح أكبر هي كما يلي : 

١- حجم السوق : 
السوق الكبيرة في الحجم هي سوق تظهر فيها التخصصات المتقدمة و الصناعات الترفية ، السوق الكبيرة في حجمها تمتلك قدرة شرائية و استثمارية كبيرة و عدداً كبير من الأغنياء القادرين على شراء السلع الغالية ذات الجودة العالية و المادة النادرة فتظهر للعالم صناعات كثيرة بجودة عالية و يصبح التخصص مطلباً مهماً لدخول سوق العمل إذا لم يكن الإنسان يملك رأس مال يمكنه من تجاوز مرحلة الوظيفة . السوق الكبيرة لا تشتغل كثيراً بالأساسيات إذ هي سهلة الإنتاج قليلة الإستنزاف لرأس المال و اليد العاملة.

٢- إتجاه السوق : 
حركة السوق بالتجاه النمو أو الإنكماش تؤثر بشكل كبير على مزاج المستهلك و المستثمر و بالتالي فإن معدل الرضا السياسي و الإستقرار و الشفافية يتغير ، و هذا كله يؤثر على درجة استعداد الناس للمخاطرة و الإستثمار ، كما يؤثر على درجة استعداد البنوك للإقراض. 
في السوق المنكمشة يسعى الناس للحفاظ على ضروريات الحياة و امتلاك الموارد التي تحفظ قيمتها رغبةً في تأمين النفس و الإستغناء عن الكيانات السياسية و التجارية التي فقد عموم الناس ثقتهم بها، هنا ترخص السلع و تفشل الكثير من الإستثمارات و تقل قدرة الحكومة على ضبط العامة . في السوق المنكمشة نظراً لضعف القدرة على الإستثمار في بيئة لا يوجد فيها طلب كثير تتصلب الطبقات، و تنعدم الحركة العمودية تقريباً، ولا يبقى إلا سيد يملك و مملوك يعمل يبديه ، وهذا هو جوهر الإشكال و أساس النقمة . 
السوق النامية على الطرف الآخر يعم الفأل فيها، فالناس جريؤون على الإستثمار و الإستهلاك نظراً لثقة المشتري في المستقبل و أمنه على دخله و النظام العام القائم. فتنموا صناعات الترف هنا و تصير المفاخرة و التعالي سمة عامة تجعل من الصناعات الطرفية صناعة مربحة ، و مع سخط الناس على هذا التمايز في الدخل و التعالي الطبقي إلا أن شعور الناس بوفرة الفرص و إمكانية الإغتناء و الإطمئنان على الضروريات يسكت العامة و يرضيهم حتى ينقلب ذلك كله مع أول انكماشة حقيقية في السوق. 

٣- سرعة النمو و الإنكماش : 
و هذا العامل أيضاً له دور مهم فالإتصالات الحديثة و سرعة النقل عن طريق وسائل المواصلات الحديثة ساعدت كثيراً على تنشيط الحركة التجارية، و من ثم فإن حركة السوق صعوداً و هبوطاً إتسمت بالسرعة إذا ما قورنت بحركة السوق التاريخية ، و هذه السرعة لها أثر كبير في هدر المال و إساءة الإستثمار و إحداث اظطرابات ثقافية و سياسية. 
كما أن الوفرة السريعة تنتج بطراً كبيراً و انفصالاً حقيقياً بين ثقافة الإنتاج و ثقافة الإستهلاك، إذ الغنى السريع سواءً للفرد أو المجتمع ينتج نظرة غير واقعية للحياة فيزداد اعتماد الشخص على الآخرين و تقوقعه في تخصصه الذي قد لا يفيد كثيراً عندما تحدث هزة إقتصادية تغير التركيبة القائمة، لذلك فإن التقلبات السريعة تغير مزاج المستهلك تغييراً راديكالياً من البطر و الجزع، و من الإقتصاد إلى الإسراف.
كما يجب أن ندرك أن وسائل الإتصال و المواصلات مع تأثيرها على النمو و خلق الفرص الإستثمارية الجديدة تؤثر على البناء الطبقي للمجتمع ، فالعولمة هي النتيجة الطبيعية لهذه الحالة من الإتصال و التواصل السريع، و ازدياد الفارق بين الأغنياء و الفقراء يعد نتيجة طبيعية، فالسوق كلما كبرت زاد اغتناء الغني فيها و ضعف الضعيف فيها.

٤- الإستقرار السياسي و الرضا بالتركيبة السياسية : 
التركيبة السياسية بعيداً عن شكل الإدارة و نظام الحكم تلعب دوراً محورياً في السوق. التركيبة السياسية في أساسها هرمية تحكم من خلالها جماعة و تسلم أخرى، و متى ما إنتفى الرضا من الجماعة المحكومة و قلت المسؤولية عند الجماعة الحاكمة قل الإستقرار في ذلك البناء الهرمي. و مع انتشار السخط و قلة الرضا يقل الإمتثال للقانون و يصير الناس للتعاون من خلال هرمياتهم الصغيرة متجاهلين للهرم الكبير وهو الدولة. هذه الحالة هي تنافي نمو التجارة، إذ الأمن قليل و سوق السلاح و العصبية رائجة، و بالتالي فإن الحركة التجارية التي أساسها رضاً ببروز الأكفأ لا تعود حتى تذوب العصبيات في عصبية واحدة جامعة . 

……………………………………………………..

عمر الدولة  ( عامل آخر يتعلق بطريقة صرف الناس ) :

هناك أيضاً نقطة يجب التنويه إليها ، وهي شكل الهرم المالي ( إنتشار المال في المجتمع ) في الدولة حديثة التأسيس في مقابل الدولة الهرمة. عند بداية الدولة تكون للعصبية الجامعة نفاذ في الناس، فيحرص الناس على التعاون و صلة الأرحام بالمال و غيره فيقل الفقر و تنحصر مظاهر الترف و المفاخرة ، و بالتالي فإن هرم الدولة السياسي و إن كان في تركيبه لا يزال هرماً إلا أن الهرم المالي يكون هرماً بيضاوياً صغير القاعدة نحيل الرأس عريضاً فيما بينهما . أما الدولة الهرمة ذات العصبية الميتة فإن رأس الهرم المالي عريض كما أن قاعدته مسطحة و عريضة جداً و بينهما طبقة متوسطة لا تكاد تذكر. 

هذا كله يؤثر على السوق، فالسوق في الدولة الحديثة تركز على الضروريات و لا تلقى فيها التحف و صناعة الرفاهية سوقاً كبيرة، لذلك فإن صناعة الرفاهية تكون ضعيفة البناء غالية الثمن، في حين أن بقية السلع تكون موفورة و رخيصة، إذ الدولة و الأغنياء فيها يركزون على إنتاج المواد الضرورية و تغطية حاجة الناس لها. أما في البناء الأخير فإن الصناعات الترفية تكتسب شعبية كبيرة و يصير لها سوقاً كبيراً، فتتوجه الأموال للإستثمار فيها ، لتقل أسعارها نسبياً و تتحسن جودتها ، في حين أن المواد الضرورية تصبح أكثر كلفة و إرهاقاً لعموم الناس . هذه الحالة توجد تبايناً شديداً بين من يملك و من لا يملك ، فالأول يبني جنة لا يحلم بها الفقير الذي لا يكاد يسد رمقه. هذه هي الحالة التي تسبق الإنهيار و الفوضى . 

……………………………………………………….

لماذا حرم النبي عليه الصلاة و السلام بيع المال بالمال ؟ و لماذا يعد البيع مختلفاً عن الربا؟ 

السبب ببساطة هو منع المال من أن يصير سلعة فيكتسب قيمة منفصلة عن الإنتاج . هذه الحالة تكسب الأغنياء غناً غير مرتبط بالعمل، و تحميهم نظراً لامتلاكهم المال و عقدهم إتفاقيات القروض الربوية من الخسارة ، ليصير المقرضون بالتدريج طبقة حاكمة مستعبدة للناس، تغتني باظطراد دون إنتاج أو مخاطرة . 

أنظر مرة أخرى لعناصر السوق الثلاثة و لاحظ كيف يتم التمييز و الإستعباد : 
المادة المستخدمة في الصناعة ، اليد العاملة القائمة بالصناعة ، ثم النقد الذي تقيّم به السلع و تستخدم كوسيلة لحفظ الثروة و الجهد المصروف .. المال هنا يستمد قيمته من الصفات اللتي يمتلكها و من ندرته أما قيمته الصناعية فإنها قليلة نسبياً،. هذه الخصائص ليست مفيدة في ذاتها إذا انتفت السلع و الخدمات، لذلك فإن استخدام النقد كسلعة ( عن طريق جمع الذهب و الفضة و احتكارهما ثم إقراضهما بقروض ربوية ) يقفز بها على السوق من حيث هي دلالة على مجهود الأفراد العاملين في السوق ، و الهيمنة على بقية الناس المتبايعين دون مجهود فعلي أو مخاطرة تذكر . 

إكتناز الذهب و الفضة و الإقراض باسمهما دون صرفهما فعلياً يؤدي للهيمنة على كافة العمليات التجارية الجارية في السوق ( سواءً كان ذلك السوق محلياً أو دولياً ) ، و بالتالي فإن هذه اليد المقرضة تستطيع التلاعب بأسعار السلع و تكلفة الإنتاج عن طريق تقرير الأيادي التي يمكن إقراضها و الفائدة المطلوبة على المقترضين و أسعار المواد الأساسية إذ هي مصدر الإيصالات (العملات) المأخوذة عن الذهب المخزون ، و بالتالي فإن هذه اليد المقرضة هي الأقدر على شراء المواد الأساسية و احتكارها و دفع الناس إلى طرف السوق ليصيروا أصحاب قيمة هامشية في العملية التجارية ، و من ثم في المركزية السياسية. 

كيف صار هذا الإحتكار للذهب ؟ و كيف صارت العملة ديناً ؟ 

ليس غريباً أن يحتكر الذهب إذ الصلاح ليس أصلاً في البشر، لكن الغريب أن يقبل الناس بأن يحاسبوا بغير المعادن النفيسة. الحقيقة هي أن ذلك التحول لم يطرأ إلا مع تقادم الزمن و تغير الأحوال بالتدريج، حتى صار الإبتعاد عن الذهب و الفضة أمراً مقبولاً و التمسك بهما أمراً لا تدعوا إليه الحاجة، بل هو تخلف و رجعية و بلاهة كما يرا عامة الناس !! 
الذهب و الفضة في الأصل مرتفعة أثمانها (عشر أوقية من الفضة تساوي أجر يوم كامل للجندي و الفلاح ، وهي كافية لكي يشتري بها حاجاته و حاجات أهله )، إذ هي نظراً لندرتها و جمال مظهرها ، و عدم تعرضها لآثار الزمان تدفع الناس للتعدي و الطلب . فهي وسيلة سريعة للإغتناء ، كما أن مصادرتها و حفظها بعيداً عن أنظار الناس يسير أيضاً . لذلك فإن الناس يميلون بالتدريج لاستئمان أصحاب الخزائن و القوة عليها ، كما أن أخذ إيصالات تدل على ملكيتهم لها يساعد على السفر بأمان دون الخوف من السرقة ، ومتى ما وصل الإنسان إلى البلدة التي يريدها قام بدفع إيصاله إلى خزينة (بنك) أخرى ليحصل على نقوده ( ذهب و فضة ) . هذه الصلة ضعيفة كما هو ظاهر ، إذ أن صاحب الخزنه يسهل عليه إصدار إيصالات تدل على نقد كثير هو لا يملكه، و نظراً لأن المقرض لا يتحمل الخسارة ، و لأن الإيصالات المطرحة تصبح بالتدريج أكثر من النقد الموجود في الخزنة حقيقة ( الذهب ) إذ أن صاحب البنك يقرضها كوسيلة لتحقيق الربح فإن صاحب البنك يكسب من إفلاس الناس ، إذ أن الطلب الفائض الذي ينتجه بإقراضه الكاذب و فوائده الكبيرة تعود على السوق بالنفع اللحظي الذي يؤدي لسوء تخطيط المستثمرين ، فينتج عن ذلك إستثمارات كثيرة بناءً على توهم لقدرة شرائية عالية تؤدي في نهاية المطاف لإفلاس معظم المستثمرين و استعباد الكثير من المقترضين الصغار نظراً لاعتمادهم على الوظائف و اقتراضهم هم بناء على أمنهم عليها.  
هذه الحالة لا تكبر حتى تكبر البنوك و تزيد قوتها بارتباطها بالحكومة و السلطة العسكرية في البلاد. إذ أن الكثير من الإجراءات البنكية تتطلب قمعاً عسكرياً و مصادرة للمتلكات، وهذه القوة العسكرية لا تملكها البنوك عادة، لذلك فإن عليها أن ترتبط بالحكومة في علاقة نفعية يحقق فيها كل طرف مصلحته. الأسلحة الحديثة و سرعة النقل و الإتصال في العصر الحالي يسرت على الحكومة مصادرة أموال الناس و فرض الإيصالات كوسيلة للتعاملات التجارية. و الحكومات و إن كانت لم تقم منذ البداية بفك ارتباط العملة عن الذهب إلا أنها سارت بهذا الإتجاه عن طريق الطباعة و الإقتراض دون أن تعلم العامة حتى صارت للعملات قيمة فعلية في ذهن العامة تتجاوز قيمة المادة الأولى (الذهب) التي يفترض بالعملة أن تستمد قيمتها منها. عندما صار هذا واقعاً قامت الحكومات بعد ذلك بفك ارتباط العملة عن الذهب فصادرت ما بقي للناس من حرية و استقلالية كان يضمنه لهم ذلك المال ( المعدنين النفيسين الذهب و الفضة ). 

يفترض بالمال أن يدل حقيقة على عمل تم إنجازه، و لأن هذه حقيقته فإنه يعد معياراً حقيقياً تقاس به كفاءة الحكومة و مقدار الفائض في إنتاج البلاد . الدول القوية بطبيعة الحال لا تحب أن يفرض عليها عموم الناس عن طريق حركتهم التجارية قيوداً تلزمها بالتعاون و التنازل للذي لا تريد التنازل له، لذلك فإنها تسعى لإضعاف قيمة الذهب و الفضة و فرض عملتها كوسيلة وحيدة للقيام بالتعاملات التجارية ( أي أنها تصادر قيمة العمل البشري الذي يقوم به عموم الناس لكي تتحرك هي وفق أهدافها السياسية، و ذلك عن طريق طباعة المال الذي تحتكر إنتاجه )، و مع أن الناس قد لا يلحظون الفرق عند أول تحرك نحو السيطرة على المال باحتكار إنتاجه و منع التعامل بغيره، إلا أن الإستمرار عل هذا النهج يؤدي بالتدريج إلى إنهيار النظام السياسيو الإقتصادي إذ أن عدم ملاحظة الآثار الإقتصادية السلبية الناتجة عن القرارات السياسية تزيد من تباين المجالين حتى يصل الحال إلى درجة كبيرة من التعارض بين ما تصرف عليه الحكومة و تستثمر فيه و تتبناه و بين ما يعود على الإقتصاد و عليها بالربح وهو ما يطلبه الناس. الرغبات السياسية هنا و المصالح الضيقة للجماعة المتنفذة تجد لها مساحة للتحرك نظراً لاحتكارها المال و تأخر الآثار الجانبية لناتجة عن طباعته و التلاعب به، لكن السوق بعد مدة يلحق بهذه السياسات فتصير الأسعار غالية و تقل المنتجات التي يطلبها السوق في مقابل منتجات و خدمات أخرى إلى أن يترك الناس التعامل بهذا النظام و يعودون لتقييم السلع و الخدمات القيمة عن طريق السرق الحرة (الذهب و الفضة) . 

الذهب و الفضة يقترنان بالحرية (الإستقلالية) إقتراناً لازماً، ذلك أنهما يفرضان على القيادة الوضوح ، فلا تستطيع الحكومة سرقة مجهود الناس دون أن تصادر أموالهم مصادرة واضحة (بعكس المال المطبوع الذي يصادر أموال الناس دون أن يدركوا أو يوافقوا )، كما أنها لا تستطيع أن توهم الدول الأجنبية بالغنى إذ أن خروج الذهب و الفضة من البلاد يؤدي لإضعافها بسرعة كبيرة ( بعكس العملات التي لا يؤدي خروجها من البلاد إلى إرهاق كبير ). و الحقيقة هي أن السوق كلما كبرت (كالسوق العالمية في الوقت الحاضر) فإنها تتعقد و يصعب على الناس متابعة التلاعب الحاصل فيها، لذلك فإن القيادة تجد مساحة كبيرة للتحرك لا يظهر من خلالها فساد، هنا تستمر القيادات السياسية و الإقتصادية في سرقة مجهود الناس و اللعب على ثنائية الثقة و الرهبة حتى يحين الوقت الذي تنهار فيه الشبكة التجارية ( نظراً لحصول تباين كبير بين الإستثمار و الطلب ) ، و ما ينتج عن ذلك من شعور بالهشاشة و الإستغلال عند العموم الناس، و هذا الشعور يؤدي بدوره للإمتناع عن المشاركة في النظام السياسي و الإقتصادي للبلاد ، و بالتالي فإن السوق السوداء تكبر ، و الحركات السياسية الإستقلالية تتعمق، فتقل لذلك واردات البلاد و تضعف الدولة ككل عن مواجهة الخارج أو فرض إرادتها السياسية على أي طرف. 

المثالية الناتجة عن حالة الوفرة الطويلة هي التي تؤدي إلى انفصال العقلية السياسية العامة عن الواقع. يغزو الوهم عموم الناس فيصيرون متوهمين قدرةً للبلد و المجتمع على الرقي بالإنسان فوق حالته الحيوانية، لذلك فإن السياسات تصبح مشتقة من تصور حالم لا من واقع ملموس، لذلك فإن القرارات المكلفة هذه تعود على البلد بالدمار تدريجياً و إن كان الشكل الظاهري مرتب و متناغم. هذه الحالة هي حالة المجتمعات المعترضة و المتكبرة ، عاشت في خيال حتى صار الواقع الطبيعي واقعاً غير محتمل ولا مفهوم. 

حجم السوق يتناسب طردياً مع حجم السرقة : 

الناس بطبيعتهم لا يتعاونون بل يجبرون على التعاون. بدون قوة مستقلة قادرة و صالحة تقدم المصلحة العامة لا يفرض نظام عادل يضمن لكل فرد يجتهد نصيبه ، وهنا تكمن المشكلة أيضاً فإن القوة إئا كانت مستقلة فإنها غالباً لا تكون نافذة و إن كانت نافذة فإنها نادراً ما تكون مستقلة. لذلك فإنه لا يمكن التعويل على فرد أو بضعة أفراد، النظام العادل و المصلحة العامة تتحقق عندما تتقدم الكفاءات و تقرر بنفسها أن تعمل وفق نظام يأذن بسقوط الضعيف و ارتقاء الكفاءة، و هذه بالطبع حالة نادرة و طارئة على المجتمعات، فالنظام (أي نظام سياسي حقيقي) يفترض به أن يضبط القوى المتحكمة في القرار السياسي و الإقتصادي لا أن يقتصر في حكمه على الضعفاء، إذ الضعيف مضبوط دائماً بوجود قوي آخر ينافسه و يضمن امتثاله أما ضبط القوي الذي به و بأمثاله يضبط المجتمع فإن ذلك يعد حالة إستثنائية و عدالة طارئة، و لذلك فإنه يمكن اختصار القول بـ ( أن صلاح البلد من صلاح وجهاءه، و متى ما كانت الوجاهة يتحصل عليها بالكفاءة و القدرة التنافسية في السوق فإن عموم الناس يتبعون نسق التسيد هذا فتتحقق المصلحة العامة و العكس صحيح ). 

طبقة الوجاهة تتغير أخلاقها مع الزمن ، و نظراً لكون الأصول ذات المركزية في اقتصاد البلاد يمكن إحتكارها فإن البلد يمكن أن يؤسر من قبل نفس الرجال الذين كانوا سبباً في نهضته بادئ الأمر. السبب في ذلك لكون اقتصاد البلد يبنى في أساسه على موارد أساسية لا يمكن الإستغناد عنها ( الماء و الزرع و الأرض التجارية و الطاقة و الذهب و الفضة و المواد الأولية الضرورية ) ، و لأن هذه الموارد محدودة فإن امتلاك جماعة صغيرة لمعظم هذه الأصول يجعلها محتكرة لرأس الهرم السياسي، إذ السلطة قرينة المال و المال يتبع الأصول، و متى ما فقد السلطة المال فقدت ولاء الجنود و خدمتهم، و متى ضعفت القوة السياسية و العسكرية إمتدت الأيدي إلى الأصول الأساسية فضعفت السلطة السياسية بشكل أكبر و أكبر حتى تنهار.


لذلك فإن الذي يحكم البلاد هو الذي يملك المال ، و من يملك المال هو الذي يملك الأصول الأكثر إدراراً للمال و الأكثر حيوية في البلاد، و بالتالي فإن الأصول الأساسية عندما تتملكها مجموعة بسيطة ثم تعمل على احتكار القطاع المصرفي (الإقراض الربوي) فإن المال يصبح دولة بين أفراد هذه الجماعة، ولا تظهر الخطورة و حالة الإستعباد هذه إلا عندما يضعف الإقتصاد و ينكمش، إذ تضعف القطاعات الطرفية التي كانت قد ظهرت مع تضخم السوق، فيفقد الناس وظائفهم و استثماراتهم و تبقى أصول العلية و استثماراتهم و يظهر للناس مقدار الطبقية الحاصلة و الإستعباد الخفي. تقعد وراء هذه الحالة حقيقة يتنكر لها الدعاة لحرية السوق وهي أن المال يجلب المال و القوة تجلب القوة (الجاه) ، فمع أن المال له ارتباط بالكفاءة و الجهد إلا أن هذا الإرتباط يضعف إلى حد الإنعدام كلما زادت ثروة الإنسان إلى درجة تمكنه من شراء أي منافس و تمييل أي كفة و استخدام كل كفاءة . 

السوق الكبيرة هي سوق واسعة جغرافيا، متقاربة صناعياً ( بالإتصالات و المواصلات ) ، متباينة ديموغرافياً. و لأن الموارد الأساسية المذكورة سابقاً ( الماء و الزرع و الطاقة و الذهب و الفضة .. ) لا تتسع كثيراً بمقدار اتساع السوق فإن نسبة الناس الذين يعملون على هامش السوق يزداد بقدر اتساع السوق، و في المقابل فإن أصحاب الثروات تزداد ثروتهم باظطراد كلما زاد السوق اتساعاً. في هذه الحالة تصبح هناك طبقة صغيرة تملك الأصول الضرورية ولا تعمل، و طبقة دونها مبدعة في التنبؤ بحركة الأسواق فتبتكر الصناعات الجديدة و تستفيد من حركة السوق العالمية فتغتني بجهدها، و طبقة دونها عاملة ( بين مختصين بشهادات عالية يعملون في مجالات مربحة و محترمة إجتماعياً، و عمال في مجالات دنيا حالتهم متوسطة ) ، ثم هناك العمال في المهن الوضيعة و البدائية فهؤلاء بالكاد يعيشون. هذا البناء الطبقي يتحول من شكل البيضة المستقرة على قاعدتها إلى شكل العدسة المقعرة من على جانبيها و بقاعدة عريضة جداً و وسط نحيل جداً و رأس عريض قليلاً. و السبب في ذلك كما ذكرنا أن الأعمال الأساسية لا تحتاج ليد عاملة ماهرة و كثيرة، كما أن الأعمال المربحة اليدوية هي أعمال هامشية و رفاهية في السوق، و ما عدا ذلك فإنه يمكن تحويله للرجل الآلي أن يعمله و التاجر الماهر أن يضارب في الأسواق لمن يملك ، فيكسب صاحب المال و يكتسب معه. و كل هذا يقل متى ما صغر السوق كما ذكر النبي عليه الصلاة و السلام ( لا يبع حاضر لباد )، أي أنه عزل رجل البادية في بيعه عن الحاضرة لأن في ذلك إكساب لغيره ( معاش يجده من فارق السعر بين رجل البادية و البيع داخل البلد ) ، و كذلك فإن وسائل التواصل و المواصلات تسهل على الأغنياء التواصل مع الفقراء فيحفظون أموالهم و يراكمونها فيما تجد الطبقة الفقيرة معاشاً يكفيها و تتحول الطبقة المتوسطة بالتدريج للفقر إذ تم تجاوزها فأصبحت مظطرة لأن تنافس من لا يمكن منافسته في فقره أو ابتكار صناعة جديدة ( و للأبتكار حدود في النفع و حاجة الناس ) . 

إنفصال الأسواق مهم لتوفير حياة كريمة ، كما أن اتساعها للحد الذي تتمكن معه المجتمعات من تطوير صناعات محورية في الحياة العامة يعد أمراً ضرورياً أيضاً.


يحرم الله كل ما من شأنه أن يزيد مراكمة المل لدى الطبقة الغنية و استعباد الناس ، و لأن مراكمة المال و استعباد الناس تتم عن طريق استغلال غرائز الناس كما تتم بالقوة فإن الشرع رغب بالناس عن اتباع شهواتهم و حرم كل تجارة تؤدي إلى استغلالها. لذلك فإن التجارة في الإسلام يجب أن تحتوي على الشروط التالي : 
١- أن تكون العملية واضحة ( أي لا تكون تقييماً إجتهادياً و إنما يكون المبلغ المبذول معلوماً بالتحديد و السلعة المشتراة واضحة بكل تفاصيلها زماناً و مكاناً ، و لذلك فإن كثيراً من المراهانت التجارية محرمة وهي تأمين على المستقبل و ما إلى ذلك مما لا يمكن تحديده فتقع المخاطرة بشكل غير واضح ولا متساو بين الطرفين ). 
٢- إن تكون في العملية مخاطرة لا يجنب منها أي من الطرفين ( بهذا تم تحريم الربا و القمار إذ أن المقرض و صاحب ملهى القمار يكسب دون أن يعرض نفسه لخسارة حقيقية ). 
٣- ألا تكون التجارة في الأسواق المحرمة ( كالتجارة بالجنس أو ما يدعو إليه ، أو الإتجار بالمسكر أو المسابقات التي في أصلها قمار ) كل هذه تعمل على غرائز الناس فتزيد من عبودية العامة و غنى الخاصة. 
٤- الإحتكار .. ( و الإحتكار هنا لا يهم كثيراً في السلع الهامشية لكنه يشل الإقتصاد و يستعبد الناس عندما يكون في الأصول الرئيسية كالماء و الغذاء و الدواء و الطاقة و الأرض الزراعية و الأراضي السكنية ) ، و الإحتكار محرم لأنه يستعبد الناس و يسهل استغلالهم و ضرب بعضهم ببعض لذلك فإن الزكاة كانت في الإصول ( سواء الذهب و الفضة أو كل ما كان يدر عائداً مادياً ) 

لو تأملنا التشريع الإسلامي لوجدنا أن التشريع لا يركز على حرية الفرد بقدر ما يركز على استقلاله ، فالأولى تقترن بحرية التصرف في المال و الأملاك مطلقاً ( فقد يورث المال لكلبه أو يصرفه كله على تحف و أمور ترفيهية و هذا كله محرم و يشرع للولي أن يصادر حق المالك في التصرف في ماله ) لذلك فإن المسلم و غيره في البلاد المسلمة لا يمكنه شراء أو الإستثمار في المواد المحرمة حتى و إن كان بقراره الشخصي وهو يرى أن ذلك من حريته الكفولة و أنه دليل احترامك له و اعترافك بنضجه ، الإسلام هنا يقول بأن عموم الناس لا يعرفون مصلحتهم و أنهم يلقون بأنفسهم إلى التهلكة إذ هم ييسرون لمن يحكمهم أن يستعبدهم في جميع مناح الحياة عندما يتبعون شهواتهم. بينما الإستقلال على الطرف الآخر يقتضي إلتزاماً جماعياً بالشريعة الإسلامية و مقاصدها فيما يضمن لك الشارع إمتلاك المال الحقيقي (الذهب و الفضة) و الأصول و حرية التصرف بهم في حدود الشرع مع إلزام الحاكم بمنع إحتكار الأصول و الموارد الأساسية عندما يصل التجار و المتنفذون لذلك، هذه الطريقة في البناء الإقتصادي تصادر الكثير من القوة من يد الحاكم و تجعله أسير نظام شرعي حاكم للجميع ، هذه هي الإستقلالية التي لا تتحقق العبودية إلا بها و لذلك هي مكروة من قبل أصحاب القرار عادة. 

الإستقلال لا يأتي إلا بالإستقرار و الإستقرار يكون نتيجة التسليم لله و الإنشغال بما عنده عن ما في الدنيا ، هكذا يرتبط الإقتصاد بالدين و هكذا يؤدي استقرار الفرد إلى استقرار السوق و استقرار البلد.  

السوق .. بين الحرية و الإستقلال (١)




السوق .. بين الحرية و الإستقلال (١)
ما هو مقصد الشريعة في أحكام البيوع ، الحرية أم الإستقلال ؟ 




السوق تنازع سلمي و حركة إجتماعية يطلب فيها الناس مصالحهم الفردية بوضوح، من خلال آلية تضمن لكل فرد حقه، عن طريق تقييم جهده و مدى إضافته. لذلك فإن السوق تعد من أكبر الدلالات على تحضر المجتمع إذ هي وسيلة سلمية يستخدمها الناس عامة للتعالي فيما بينهم و لجمع أكبر قدر ممكن من النفوذ دون استخدام القوة أو أي وسيلة أخرى لا يكون فيها المتبايعين راضيين. فهي تسليم جماعي بتعالي الأحكم و الأكفأ بغض النظر عن قوة المتعالي جسدياً أو نفوذ جماعته. و لأن التسليم حالة شاذة في البشر ( إذ الأصل الإعتراض و التعدي ) فإن ظهور السوق و حرية التعامل التجاري تعد أمراً طارئً وحالة ناشئة عن قوة مستقلة فارضة لهذا النظام. فالسوق إلى حد ما قرينة الهيمنة السياسية لجماعة عادلة وهي -أي السوق- تتحرك و تنمو بشيء من الفردانية الإجتماعية الثقافية التي تقدم الكفاءة و الإنتاجية و تستخدمها كوسيلة للتعالي في النسيج الإجتماعي على الترابط الإجتماعي الصلب و التساوي الإجتماعي. من هذا المنطلق إقترنت السوق بالتحضر كما اقترنت بنشوء الطبقية الإجتماعية، إذ هي بطبيعتها تكسر العائلة الممتدة (القبيلة) لتبني عصبيات مختلفة ( على أساس المهن و درجة الغنى و المنطقة و المصالح المادية .. ) و توجد حرية أكبر للفرد ينعتق بها من ارتباطه الإجتماعي بقبيلته ليجد لنفسه جماعة أخرى يتعصب لها بحسب الوظيفة أو المهنتة أو الشهادة.

ما سبق يعد تعريفاً بسيطاً بالسوق و ربطاً لتلك الحركة الأنانية الواضحة بالحركة الإجتماعية الضيقة (العائلة و الحي) و السياسية الواسعة (الدولة بحكامها و متنفذيها ). و من خلال هذه المقدمة البسيطة أريد أن أدخل في موضوعي لأحدد عناصر السوق و العوامل المؤثرة فيه، و مآلات الحركة التجارية و أثرها على التركيب الطبقي للمجتمع و البناء السياسي، كما أني أريد أن أحدد القواعد المهمة و الحدود التي يجب أن يلتزم الناس بها حتى لا تؤدي السوق لنقض نفسها.

العملية التجارية في أساسها مقايضة ، أي أنها عقد بين طرفين يستبدل فيه كل طرف ما لديه بما يملكه الآخر سعياً لاستيفاء حاجته و ضمان معيشته، ولأن ذلك يعني أن لكلا الطرفين حاجة في أن تكون رغبتة و حاجته متناسقة مع رغبة الآخر زماناً و مكاناً فإن العمليات التجارية ( وهي المقايضة هنا ) تكون محدودة كماً و متذبذبة زماناً. المال لذلك يعد وسيلة عملية ضرورية لحفظ مجهود الفرد حتى يتمكن من استدعاء هذه القيمة متى أراد و استبدالها بما يحتاجه في السوق بالبضاعة التي يريد. فوظيفة المال هنا هو البينية، أي أنه يعمل على تقريب إحداثيات الزمان و المكان بين البائع و المشتري حتى ما يقل الغرر بين المتبايعين و تزداد فرصة التوافق و من ثم التعاقد ( أي أن البائع يستطيع أن يشتري بالمال الذي كسبه بضاعة لا يملكها المشتري في ذلك المكان و بالكمية المطلوبة، كما أنه يستطيع أن يؤجل الشراء للوقت الذي يحب دون أن تتأثر قدرته الشرائية بشكل كبير ). 

و قبل أن نتكلم عن مقاصد الشريعة و الحكمة من تشريعاتها فإنه يصح أن نحلل السوق ككل ، عناصره الأساسية و العوامل المؤثرة فيه حتى نتمكن من التنبؤ بمستقبله و التركيبة الإجتماعية الناتجة عنه بعد مدة طويلة من الحركة التجارية الحرة . 

السوق تتكون من ثلاثة عناصر هي  : 
١- المنتجات ( المواد و الخدمات المتاجر بها ).
٢- أفراد المجتمع المتبايعين ( عددهم و كفاءتهم الإنتاجية و حاجاتهم ).
٣- المال ( وفرته في المجتمع و مدى انتشاره فيه ). 


كما أن هناك أربعة عوامل تؤثر في السوق هي : 
١- حجمه ( أي حجم العوامل السابقة ). 
٢- إتجاهه ( للنمو أو الإنكماش ).
٣- سرعته نمواً أو انكماشاً ( و هذا يتأثر بنوع الإتصالات و المواصلات المتوفرة ).
٤- الإستقرار السياسي ( مقدار رضا الطبقات المكونة للسوق ، سواءً كانت سوقاً محلية أو عالمية ).


عناصر السوق التي ذكرناها ( المنتجات ، المال ، و الأفراد على طرفي المعاملة ) 
فيها تفصيل يحتاج إلى شرح و توضيح، ذلك أن هذه التفاصيل تؤثر على العناصر ، و من ثم فإنها تؤثر في السوق ككل ( في حركة البائع و الشاري ) .

١- المنتجات : و هذه تكون مواداً أساسية أو قريباً من الأساسية كالمنتجات الزراعية، أو تكون صناعة مركبة بحاجة لمختصين و خبرات عالية، أو تكون خدمات تعتمد على المورد البشري كالتعليم و الصحة و الإدارة و الإستشارات المالية و القانونية ، أو تكون موقعاً جغارفياً مهماً يستثمر في مجالات سياحية أو عسكرية . كل هذه المنتجات تؤثر في المجتمع المنتج إذا ما اعتمد على شكل من أشكال هذه المنتجات بدرجة كبيرة، فالتركيبة السياسية و الحركة الطبقية تتغير من الصلابة إلى المرونة و العكس تبعاً لشكل المنتج الذي يعتمد عليه السوق أساساً.

٢- الأفراد : الفرد هو المادة الأساسية التي يبنى عليها السوق، ذلك أن المعاملات التجارية أساسها مصلحة الفرد و شهوته، والسوق تجسد ذلك الميل و تتعامل معه. لكن الأفراد في المجتمع يتميزون من حيث العمر و الجنس و الكفاءة العملية و الدرجة التعليمية، و لذلك فإن مجرد الوفرة البشرية لا تؤدي لنمو السوق و تطوره ( أي أن هناك علاقة طردية غير لازمة ). فالأطفال و كبار السن عجزة لا يقدرون على الإنتاج و ينهكون المجتمع بحاجاتهم، كما أن حاجة المرأة و رغباتها تختلف عن حاجة الرجل و رغباته -إلى حد ما- و كذلك قدرتها الإنتاجية و مجالتها التي تبرع فيها، و لذلك فإن تركيبة المجتمع الديموغرافية و درجة تعليمه و رسوخ ثقافة الإنتاج و الفردانية فيه تؤثر في السوق بشكل كبير.

٣- المال : هو الوسيلة البينية التي تقيّم بها الأشياء و تشترى، إذ يتسم بصفات تيسر على المتبايعين القيام بعملياتهم التجارية في أي وقت وفي أي مكان بوضوح كبير( كما ذكرنا فإن المال يقرب إحداثيات الزمان و المكان بين طرفي المبايعة فيزيد احتمالية التبايع و يقلل من تذبذب الحركة التجارية عبر الزمان )، ومن خلال هذه الصفات يتمكن المال من تحقيق هذه المصالح ، فتزيد قيمته لذلك و يتميز عن سائر المواد.

الصفات التي يجب أن تتوفر في المادة حتى تصبح نافعة و يمكن استخدامها كوسيلة بينية في التعاملات التجارية هي : 
أ - يجب أن يكون للمادة المستخدمة كنقد قيمة في ذاتها ( أي أنها نافعة و نادرة ).
ب- يجب أن تكون المادة مقاومة للعمليات الحيوية ( أي أنها لا تفسد مع الزمن ). 
ت- يجب أن تكون المادة سهلة النقل و الحفظ ( صغيرة الحجم ).
ث- يجب أن تكون المادة قابلة للتقسيم و التجزئة دون أن تفقد قيمتها بعد التقسيم. 
ج- يجب أن تكون متطابقة ( أي أنك لو استبدلت ديناراً بدينار آخر لما فقدت من القيمة شيء ).

هذه هي الخصائص المميزة للمادة والتي تجعل منها استثناءً من بين المواد لتستخدم كوسيلة للقيام بالعمليات التجارية، فالناس كانوا ولا زالوا بحاجة لحفظ مجهودهم و استدعاء قيمته متى دعت الحاجة لحماية أنفسهم و ضمان مصالحهم في أي نسيج إجتماعي مركب. فالطبيعة البشرية الأنانية تقتضي وجود وسيلة مادية عملية يحفظ بها الناس حقوقهم و يحاجون بها خصومهم، و الناس متى ما غفلوا عن هذا الأصل و وثقوا في بعضهم و في من يحكمهم كان لمن يملك طباعة المال (العملة) القدرة على سرقة مجهود الناس و استعبادهم بطريقة يسيرة و خفية، و الزمن وحده كفيل بإيصال هذه الرسالة و إعادة الناس لما هو أصل.

إذا أخذنا في الإعتبار تذبذب هذين العنصرين ( المنتجات المادية و الناس ) من حيث الكمية و النوعية و الأهمية في السوق و إذا أدركنا إرتباط المال بالحركة السياسية و الصراع الطبقي و السعي للإحتكار أدركنا سبب التغير في قيمة المال و أسعار المنتجات .. فالمال كما ذكرنا في أصله سلعة ( أي مادة لها قيمة في حد ذاتها ) ، لكن سهولة نقل هذه السلعة و تجزئتها و ندرتها و محافظتها على خصائصها مع مرور الزمن تجعل منها وسيلة جيدة للتثمين و التبايع. و مع أن البائع قد لا يرغب في هذه السلعة الأخرى ( المال الحقيقي الذهب و الفضة ) إلا أنه يرغب في خصائصه التي تمكنه من الحفاظ على القيمة الحاصلة من عمله و استخدامها متى ما دعت الحاجة و بأي طريقة أراد .

لأجل ذلك فإن المال يعد عاملاً أساسياً في تسهيل التعاملات التجارية، و حفظ الحقوق ، و رصد معدلات الإنتاج و درجة الغنى. بدون المال يصعب على الناس تقييم مجهودهم و حفظه و مقايضته بما هو مساو له . لذلك فإن اكتناز المواد التي تحظى بهذه الخصائص (الذهب و الفضة) يقلل من عدد العمليات التجارية، مما يقلل من معدلات الإنتاج ، و يؤدي بالسوق إلى الإنكماش و الإقتصار على الحاجات الأساسية، و مع هذه الحالة يزول الإستقرار السياسي و الإجتماعي. 

المال لا يمكن إلا أن يكون ذهباً و فضة على المدى البعيد ، أما على المدى القصير فإن  المواد الأخرى التي تحضى بأعلى قدر ممكن من الخصائص المذكورة يمكن استخدامها كوسيط (مال) . حالياً يستخدم الورق كمال ، وهذه الوسيلة و إن كانت نجحت في تحقيق تقدم اقتصادي و تيسير التبادل التجاري على مدى العقود الفائتة إلا أنها حالة طارئة لا يمكن أن تستمر ، و السبب في ذلك يعود لكون النقد الورقي قليل القيمة في حد ذاته ( قيمته تكاد تكون معدومة نظراً لوفرة المادة المستخدمة في هذا النقد ) و لذلك فإن النقد الورقي المستخدم في التعاملات التجارية في هذا الزمن يحتاج لأن تضخم قيمته صناعياً ( أي عن طريق التدخل البشري ) ولا يمكن فعل ذلك إلا إذا امتلك الكيان السياسي الواهب لهذه القيمة قوة سياسية كبيرة و ثقة إجتماعية كبيرة ليفرض بها هذه المادة في التعاملات التجارية ، و لأن القوة تحتاج لوفرة مادية و عسكرية و لأن الثقة تحتاج لمراكمة نجاحات كثيرة على مدى طويل فإن الأشخاص القادرين على تحويل الناس من التعامل بالمعادن النفيسة إلى المعدان المضخمة ( النقد الورقي ) قلة ، و قدرتهم على الحفاظ على هذه الحالة من احتكار صناعة النقد و تضخيم قيمته مرتبطة بنجاهم في ضمان مصالح الناس و تحقيق النجاحات السياسية الكبيرة. متى ما فقد الكيان السياسي أحد هذين الدعامتين ( القوة و الثقة العامة ) فإن عملته تفقد ( النقد الورقي ) شيئاً من قيمتها ، و إن هو فقد كلا العاملين يكون النقد قد فقد قيمته تماماً ، نظراً لافتقاره للقيمة الأصلية ( أي أن الورق ليس فيه قيمة كبيرة في حد ذاته ). 

إستخدمت الأمم عبر التاريخ العديد من المواد و السلع كوسيط في العملية التجارية ( كنقد )، لكن هذه المواد كلها كانت تزول قيمتها بمجرد أن تنكشف هذه المجتمعات على الذهب و الفضة (أي تتعامل به لأول مرة)، فالمعادن الأخرى تصدأ أو يصعب تجزئتها أو نقلها، لذلك فإن النقد كله في العالم إلم يكن ذهباً أو فضة فهو نقد فرض فرضاً و ضخم تضخيماً ليقوم بوظيفة لا يقوم بها إلا الذهب و الفضة . هذا لا يعني أن المجتمعات المنعزلة في بيئات صغيرة بموارد محدودة لا يمكن لها أن تتعامل بنقد آخر غير مفروض ، إذ المواد النادرة في البيئات المختلفة تختلف ، مما يعني أنها تملك قيمة مختلفة و تؤدي دوراً مختلفاً ( قد استخدمت بذور الكاكاو و فرو الغنم و ثمار أخرى كوسيلة للتبايع في بيئات و مجتمعات مختلف عبر التاريخ نظراً لعدم توفر هذين العمدنين) . 

و مما سبق يمكننا أن نفهم الكثير من التشريعات الإسلامية في باب البيوع ، ذلك أن التجارة أساسها شراء برخص و بيع بغلاء ، و نظراً لأن قدرة البائع على زايدة الفرق بين تكلفة المنتج الأساسي و سعره عند البيع مرهون بقدرته على إحتكاره ( سواءً إحتكاراً جائراً بالتعدي على المنافسين أو احتكاراً مشروعاً بالتغلب على المنافسين في جودة المنتج ونوعه و جرته “الإبتكار” ) فإن التاجر لا يغتني حتى يملك قوة تساعده على توفير ما لا يمكن توفيره في بيئته السياسية أو كفاءة مبدعة تيسر له أن يبز أقرانه و يأتي بما لم يأت به الآخرون. غير ذلك من التجارة يكون الربح فيها قليل و عامل الزمن مهم لتحقيق غنى ملموس. 

لكن الأفضل من ذلك بلا شك هو احتكار المال نفسه !! .. هذه هي العمليات البنكية و الربح الذي يتضاعف مع الزمن من الإقراض المضمون. لا تقوم البنوك بإنتاج شيء ملموس، و كل ما تدعيه هو أنها تقوم بتيسير المعاملات التجارية و تقريب المصالح زماناً و مكاناً من خلال الإقراض و الضمان و تأمين الممتلكات الغالية في خزائنها. لكن الحقيقة هي أنها مؤسسات تجمع و تحتكر ما هو ذا قيمة، ثم تستخدم تلك القيمة لتوظيف اليد العاملة في السوق لتحضى هي بالربح من خلال تلك الأعمال، و البنوك في هذه الحالة لا تخاطر مخاطرة حقيقية، وهي لا يمكن أن تفعل حتى تكون طرفاً في العملية التجارية ( أي إما بائعاً أو مشترياً ) و حتى تقرض ما لديها من مال فعلاً بوضوح دون أن توهم المودع و المقترض بأرقام تفوق الودائع الحقيقية . 

إن الشريعة الإسلامية في قسم البيوع تفطنت لهذا المدخل التي يتسلل من خلاله أصحاب المال و الجاه، إذ يصبح المال في حده ذاته سلعة ( مع كونه نقداً مستعملاً في التعاملات التجارية ) فيكون احتكاره سبباً في رفع قيمته ، قيمة تتجاوز قيمته الفعلية إذا ما قورن بالمنتجات المادية في السوق، لذلك فإن المال الحقيقي ( الذهب و الفضة ) بالندرة المصطنعة الناتجة عن الإحتكار يكتسب قيمة تفوق قيمته الحقيقية ( فيصبح مجموع قيمة الذهب و الفضة أضعاف قيمة المنتجات المادية ) ، لكن هذه الحالة غير ظاهرة في الوقت الحالي نظراً للوفرة المصطنعة عن طريق طباعة أموال بدون أصول تدعمها و إعطاء إيصالات على الذهب و الفضة بأضعاف ما هو متوفر لدى هذه البنوك . كل ذلك يؤدي لتذبذب شديد بين الإنكماش الذي يعدم السوق و يعاقب المستثمر و بين التضخم الذي يعاقب المدخر و المقتصد في معيشته . و في كلا هاتين الحالتين فإن البنوك و من يملكها يكونون في مأمن من الفقر و الحاجة للعمل. 

ؤرجئ بقية الكلام عن مقاصد التشريع في مجال بيوع حتى أتكلم عن العوامل المؤثرة في السوق .

الجمعة، 13 مايو 2016

لماذا يحكم العسكر ؟




لماذا يحكم العسكر ؟ 
ما هي المراحل الحضارية في عمر الدولة و كيف تنشأ ؟


يقول الموبذان بهرام بن بهرام ( وهو وزير فارسي ) في حكاية البوم التي نقلها المسعودي : ( أيها الملك ! إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة و القيام لله بطاعته، و التصرف تحت أمره و نهيه؛ ولا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال؛ ولا قوام للرجال إلا بالمال؛ ولا سبيل للمال إلا بالعمارة؛ ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل؛ و العدل الميزان المنصوب بين الخليقة نصبه الرب و جعل له قيماً وهو الملك ) . 

 و من كلام كسرى أنو شروان في هذا المعنى بعينه : ( الملك بالجند؛ و الجند بالمال؛ و المال بالخراج؛ و الخراج بالعمارة؛ و العمارة بالعدل؛ و العدل بإصلاح العمال؛ و إصلاح العمال باستقامة الوزراء؛ و رأس الكل بافتقاد الملك حال رعيته بنفسه و اقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه ) .

و لأرسطو كلام مشابه في كتابه السياسة حيث يقول : ( العالم بستان سياجه الدولة؛ و الدولة سلطان تحيا به السنة؛ السنة يسوسها الملك؛ الملك نظام يعضده الجند؛ الجند أعوان يكلفهم المال؛ المال رزق تجمعه الرعية؛ الرعية عبيد يكتنفهم العدل؛ العدل مألوف و به قوام العالم ) . 

هذا الكلام كله يعضد بعضه بعضاً، وهو ما أريد أن أبني عليه النقاط التالية في هذا المقال، فالحكماء على رغم اختلاف عصورهم و ظروفهم يتفقون على هذه النقاط و إن كانوا يصوغونها صياغة مختلفة : 

١- أن أصل المجتمع في سوقه و العمران الناتج عن ذلك السوق. 
٢- أن السوق لا يقوم و يزدهر إلا بالعدل ( وهو النظام القائم يطبق على الجميع ). 
٣- أن النظام الذي يرسخ العدل في المجتمع يفرض بجند السلطان. 
٤- أن جند السلطان يحصلون على قوتهم من المال اللذي يفرضه لهم السلطان. 
٥- أن السلطان يحصل على ذلك المال عن طريق جنده الذين يجمعونه له من السوق. 
و بالتالي فإن السلطان يقوم به النظام كله، فيضبط السوق حتى يحمي المتعاملين فيه من بعضهم البعض، و يضبط الجباه و الوزراء فلا يؤخذ من العامة ما يزيد عن قدرتهم ولا يتكاسلون عن عملهم فتضيع مصالح الناس، كما أن السلطان مظطلع بتحريك الجيوش و حماية أراضي الدولة وهويتها . 


مما سبق يمكننا أن نستنتج الأعمدة الرئيسية التي تشكل كيان الدولة ، كما يمكننا أن نضع لتلك الأعمد ترتيباً زمانياً بحسب مركزيتها و تسلسلها في بناء الدولة : 

  • (مرحلة الإنتقاء و التسيد) .. هذه المرحلة هي أول مرحلة في بناء الكيان السياسي ، ذلك أن الإتفاق على رجل ضرورة أوليه يبدأ منها كل شيء في الدولة ، فالدولة في أساسها بناء عصبي تقوم على أساس قبول طوعي من قبل جماعة متنفذة بسيادة فرد عليهم يقيم بهم القانون و يضبط بهم السوق. 
  • ( مرحلة الضبط ) .. و هذه هي المرحلة التالية التي تتبع المرحلة الأولى مباشرة، في هذه المرحلة يفرض النظام و تتحقق الهرمية الطبيعية في الدولة. من خلال هذه المرحلة ندرك أهمية المؤسسة العسكرية و مركزيتها في بناء السلطة ، فالكيان السياسي الناشئ لا يصير دولة حتى ينجح في احتكار القدرة العسكرية، و متى ما قدر الحاكم على ضمان ذلك الإحتكار فإنه يتمكن إلى حد بعيد من تأكيد سيادة حكومته على أراضي الدولة و بالتالي فإنه يضمن هرميتها.
  • ( مرحلة التنظيم ) .. وهذه المرحلة لا تتم عادة إلا في الأراضي المهيأة لنشوء دول مستقرة، ففي تلك الأراضي تتوفر المياه الصالحة و الأراضي الزراعية و السوق المكتفية التي تسمح للوظائف الحكومية أن تنشأ و لطريقة العيش هذه (التوظيف الحكومي) أن تصبح منطقية. وفرة الإنتاج مع استقرار الحكم و ثبات العصبية السياسية تؤدي للإنتقال إلى هذه المرحلة من البناء السياسي، وهي مرحلة القانون المكتوب ( القانون الذي يقرره حكماء المجتمع ، لتكتسب الحكومة به شرعية أكبر ) . لذلك فإن الدولة في هذه المرحلة تتميز باهتمامها بموضوع القضاء ، ترفع شأنه حتى يصير لأصحاب تلك الوظيفة مكانة إجتماعية، كما تنشئ الوزارات و توظف الموظفين الحكوميين في القطاعات الأساسية ، ليشرعوا الشرائع بحسب المصلحة السياسية ويكونوا حلقة وصل بين الحاكم و المحكومين و يكونوا عامل فصل بين المتخاصمين في تلك القطاعات التي يختصون فيها. 
  • ( مرحلة التيسير ) .. وهي المرحلة التي تصل إليها الدولة بعد أن تكون قد حققت قدراً كبيراً من الإستقرار و التركيب و الرخاء إذ تصبح دولة مقتدرة و مهتمة بتعبيد الطرق و توفير الطاقة و تيسير وسائل الإتصال و تشييد العمارات الحكومية و دور العبادة و الحصون القوية و النزل على الطرق الطويلة أملاً في زيادة حجم السوق و إيجاد الثقة في نفوس الناس حتى يستثمروا و يجتهدوا في هذه الحركة التجارية المفتوحة، و بذلك فإن الدولة تزداد قوة بحجم سوقها، إذ أن خراج السوق يزداد و اكتفاء الدولة بصناعاتها يعينها على الإحتماء من المعتدي عسكرياً و اقتصادياً، كما أن التخصص ينمو باظطراد كلما نما السوق و تشعب، و هذا يزيد العلم و يطور الثقافة و يرسخ الدولة و يزيد هيبتها. 
  • ( مرحلة الخدمة ) .. و هذه المرحلة هي أول مراحل الترف (و إن كان عموم الناس لا ينظر إلى ما تنفقه الحكومة على أنه ترف)، إذ هي حالة إستثنائية في عموم التاريخ البشري، تكون الدولة فيها قد وصلت إلى مرحلة من الوفرة بعد عقود أو قرون من الإستقرار و النمو الإقتصادي و الرشد في الإنفاق ما ييسر لها أن تفكر في الإظطلاع بدور فاعل في المجتمع و سوقه عوض عن الإقتصار على دور الرقابة و التنظيم و التيسير الذي كانت لا تتعداه، و لأن تلك هي الحال الطبيعية و هذه حالة إستثنائية ناشئة عن وفرة مادية فإنها حالة تحسد عليها و هدف تطمح لنيله الأمم المنافسة دون إدراك عميق لسبب نشوء هذه الحالة في ذلك المجتمع بالذات، و هي بسبب تخفي أسباب ذلك النجاح المادي و طريقة نشوءه تجهد في مزاحمة بعضها البعض ( أي أن الأمم المهزومة تصبح في حالة غليان و تلاوم داخلي ) نظراً للتلاوم الحاصل بين طبقات المجتمع و الجهل الحاصل بالظروف الحقيقية للدولة النامية و الغالبة في مقابل الدولة المغلوبة و المتدنية في بنيانها الحضاري ( أي أنه من الطبيعي أن تنشغل الدولة وهي قليلة الموارد وصعبة الظروف بما هو أولى و سابق في البناء السياسي و الحضاري على ما هو طارئ و إستثنائي ). في هذه المرحلة توفر الدولة المدارس و الجامعات و المستشفيات و تحرص على توفير الخدمات الأساسية الأخرى  بالمجان أو بتكلفة قليلة إلى عامة الناس، مما يزيد من درجة الأمان و الرضا و الهيبة السياسية لدى عموم الناس.
  • ( مرحلة المفاخرة ) .. وهذه هي المرحلة الأخيرة وهي غالباً ما تكون مطلب الدول الأخرى و مثار حسدهم و اندهاشهم (أكثر من النقطة السابقة) ،إذ هي باكورة البناء الحضاري و رأس هرمه، فيها تكون التخصصات قد برعت في مجالاتها ، فالصناعات التَرَفية ( الأواني و المنازل و الأثاث و اللباس .. ) و الترفيهية و العلاجية و غيرها تكون قد تميزت عن سائر الحواضر. كما أن الجيوش تكون في أبهة و عتاد قل نظيره ، و تكون العلوم و الفلسفات قد وصلت إلى درجة من التعقيد و التقدم ما يثير غيرة الناظر. وهذه الحالة بالضبط على ما يبدو من سهولة تطبيقها هي في الحقيقة سبب هلكة المنافسين و اظطراب بنيانهم ، إذ أن المراقب يقف موقفاً مندهشاً و مظطرباً من هذا البناء و كيفية مجاراته و سبب العجز عن غلبته و عن خلفية الكيان البشري الذي بنا هذا العمران. 

ملحوظة ( مما سبق ندرك أن البناء الحضاري و تقدمه ناتج عن كبر السوق و تنوعه ، كما أن الثقافة و تعقيدها ناتجة عن كبر الصراعات و قدرة التجاوز، و بالتالي فإن المراحل الحضارية المتأخرة ناتجة في كثير من تعقيدها و تركيبها عن حركة جماعية تشمل عموم الشعب، وليست حركة سياسية يختص بها المتنفذون في رأس الهرم السياسي ولا بسبب سياساتهم الحكيمة ). 

شهد العالم العربي خلال السنوات السابقة ثورات متلاحقة أسقطت حكومات و أتت بأخرى ، لكن الذي يكاد يجمع عليه الجميع أن الآمال التي كانت قد بنيت لم يكن لها من الواقع نصيب، بل أن الحكم العسكري بات أكثر شدة و حضوراً من ذي قبل ، وهو الذي في الأساس كان مثار السخط و الإحتجاج ! فلماذا عاد هذا الحكم ؟ و لماذا وجد لنفسه عذراً في زيادة درجة القمع التي ما كان يحلم بها سابقاً ؟! 

الدولة كما ذكرنا في تركيبها كالبصلة تتكون من أغشية كل غشاء يغطي الذي يليه بحسب كبر السوق و استقرار النظام السياسي الذي يحكمه، حتى تصير البصلة كبيرة مستديرة مكتملة بشكلها الطبيعي، و كذلك هي الدول بحسب ترتيب النقاط السابقة هيكل أساسي يلبس رداءً فوق الرداء حتى ما يصل بناءه بناءً مكتملاً في جميع الفروع و التخصصات ، وهذه هي أعلى درجات الحضارة ( في شكلها المادي ) و قوتها السياسية.

من يفهم التسلسل الزماني هذا في البناء الحضاري للدولة و يفهم البناء السياسي الديموقراطي المعاصر يدرك أن الديموقراطية و إن كانت تحوي عصبية سياسية إلا أنها بناء أخلاقي مسؤول أيضاً، و لذلك فإنها حالة إستثنائية أيضاً ( نظراً لأن سيادة الأخلاق و المبادئ في الهياكل السياسية تعد حالة إستثنائية  ) تتطلب وجود عدة عوامل ليتحقق ذلك البناء و ليضمن المجتمع تلك النتائج الإيجابية التي يسعى لها من خلال ذلك البناء. و يمكن تلخيص هذه العوامل الرئيسة في النقاط التالية :

١- العصبية المجتمعة التي تطغى على العصبيات الفرعية في المجتمع. 
٢- وجود قانون عام متفق عليه سلفاً يتعصب له عموم الناس. 
٣- وجود سوق وافرة تضمن مساحة كافية من الحركة الحزبية و التنوع داخل المجتمع.


مما سبق يمكن للقارئ ملاحظة مصدر الإختلاف بين الصورة و الواقع، و أسباب السخط الجماعي و حركة التخوين و الإعتراض المستمرة، هذه الجماهير تقف موقف الفصام بين ما هو ممكن وما هو مطلوب، و مع تحركاتها السياسية القوية الساعية لتحقيق ماهو مطلوب فإنها تفوت على نفسها ماهو ممكن ، و لذلك فإن هذه الكيانات السياسية تزداد هشاشة و ضعفاً و تصبح إدارات البلاد فيها مهددة بالنقض مع كل حركة و عند كل منعطف، فلا يبنى شيء فيها ولا تجتمع فيها كلمة ، بل حتى البناء القديم يصبح متهالكاً وغير قادر على تحقيق أهدافه التي بني من أجلها. 

المجتمعات العربية بعد أن ثارت على حكوماتها اصطدمت بكل النقاط الثلاث المذكورة فكانت نتائج ثوراتها سلبيةً، كما أن جهل معظم المتابعين لسبب تلك الإنتكاسة جعل من الحلول المطروحة حلولاً إنشائية و مثالية غير عملية ولا واقعية. المجتمعات العربية ببساطة كانت قد فقدت الكثير من هويتها مع الغزو الثقافي الغربي الذي أعاد بناءها العصبي إلى البناء الجاهلي السابق لحضور الأسلام، و كان قد استثمر كثيراً في هذا المجال و أكده باستحضار تلك التواريخ و الملاحم و المنجزات القديمة، كما أن النموذج الغربي للحكم عُمّم بشكل ساذج على الجميع متجاهلين ظروف المجتمعات الغربية المغايرة و تاريخها القانوني و مبدئها المختلفة. 

من الطبيعي أن تعود المجتمعات للحكم العسكري إذ أن تلك المرحلة هي المرحلة الأولية السابقة لنشأة القانون و حكمه، و طالما أن المجتمع لا يتفق على ماهية القانون المقدس ولا حدود المجتمع المقدس ( العصبية العامة ) ولا يملك من الوفرة المادية ولا الطبقة المتوسطة ما يحمي به نفسه من تلاعب القوى الغنية الأجنبية بالقرار السياسي الداخلي فإن المجتمع سيظل في محاولات ديموقراطية فاشلة و ستظل المؤسسة العسكرية هي المؤسسة الوحيدة القادرة على فرض النظام و جمع الكلمة. 

ما يسمى بالمواطنة و حكم القانون يستوجب اتفاق مسبق و عصبية مسبقة و ظروف ميسرة ، و لأن هذه العوامل تتفاعل مع مجتمعات مسلمة فإنها تحتاج لأن تتصالح مع المجتمع الإسلامي و تاريخه : 
١- فالإتفاق المسبق يجب أن يكون على شكل القانون الحاكم و أسسه ( هل هي الشريعة بغايتها الأساسية وهي تعبيد النفس لله و التحرر من هوى النفس ؟ أم هي العلمانية المطلقة بغايتها الرئيسية وهي الحرية المطلقة و سيادة الشك ؟ ) 
٢- كما أن المجتمع بحاجة لتقديم هوية من هوياته باتفاق ، فهل الهوية المناطقية و القبلية هي الهوية المقدمة ؟ أم هي هوية الأمة ؟ وهل هي الأمة الإسلامية أم الأمة العربية ؟ .. كل هذه أسئلة تجب الإجابة عليها ، إذ أن في تحديد الهوية العليا وسيلة لجمع الناس و و أساساً ينطلق منه ليقرأ التاريخ بشكل يتوافق مع الأهداف الإستراتيجية للبلاد . 
٣- و أخيراً فإن فهم السوق العالمية و موازين القوة السياسية و الإقتصادية و منافذ التجارة البحرية و البرية يساعد على فهم السوق الداخلية، و بالتالي إدراك الحجم الحقيقي للبلاد و القدرة السياسية الحقيقية لها، و بطبيعة الحال فإن السوق كلما كبرت و استقرت صعب على المتنفذ الأجنبي أن يتلاعب في القرار السياسي الداخلي. 

أخيراً فإن العسكري يحكم لأن هذه هي الحال الأولية للدولة ، و مع أن الدول في الوقت الحالي تحوي من الخدمات و المرافق و العلوم و الصناعات ما يجعل النظر إليها على أنها كيان سياسي بدائي أمر مستبعد و غريب ، إلا أنها تعتبر كيانات أولية فعلاً إذا ما قورنت بالكيانات المجاورة ، فالمنجزات التي تحويها الكثير من الدول الضعيفة هي منجزات مستوردة لا تعبر عن العمر الحضاري الحقيقي للدولة، و بالتالي فإن هذا الترتيب الزماني و الهيكلية الأساسية للدولة تضيع مع تلك الكمية الكبيرة من المنجزات الحضارية المستردة ، و التي أوجدت حالاً من الفصام و الصراع الداخلي و الضياع بين أي أعمار الدولة يعيش المجتمع فعلاً ؟ و كيف له أن ينعتق ؟ و متى يمكن لهذا المجتمع أن يصل للهدف المطلوب ؟